شباب الثورة .. مسحول أم مسؤول ؟!

 
 بقلم أحمد الشيخ
@AEL_sheikh
 
يحلو لمؤيدي الرئيس محمد مرسي أن يقولوا إن كل دول العالم تشهد تجاوزات وإنهم شاهدوا صورا تثبت ضلوع الشرطة في بريطانيا والولايات المتحدة في أعمال عنف ضد المتظاهرين. ولهؤلاء أقدم معلومة قد تنفعهم في مناقشاتهم البيزنطية: إن الشرطة البريطانية قتلت متظاهرا خلال الاحتجاجات التي شهدتها لندن على هامش قمة مجموعة العشرين عام 2009، وقتلت مواطنا أيضا عندما حاولت القبض عليه مما أسفر عن اندلاع أعمال الشغب في أنحاء متفرقة من البلاد عام 2011.
ولكن ليسمح لي هؤلاء المؤيدون أن أضيف إلى معلوماتهم أن كل واقعة كانت محل تحقيق مستقل ومحاكمات عادلة وإجراءات على مستويات عدة لمواجهة أصول كل مشكلة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وإن السياسيين والإعلاميين في بريطانيا لا يلقون الاتهامات جزافا بلا دليل ولا يستهزئون بأرواح المواطنين أو كرامتهم.
لا يعلم هؤلاء أن رئيس الوزراء السابق جوردن براون كان يدلي بحديث إذاعي قبيل انتخابات عام 2010 ونسي الميكروفون مثبتا في معطفه، وعندما كان وفي طريقه إلى سيارته دخل في حوار مع مواطنة، وبعد نهاية الحوار قال إلى أحد مساعديه إنها “سيدة متعصبة”. لم يكن براون يعلم أن كلامه كان مسجلا. بثت المحطة الإذاعية تصريح براون ودقت المسمار الأخير في نعشه السياسي. لم يشفع له أنه ذهب إلى السيدة واعتذر لها، وخسر حزب العمال الانتخابات ومقعد رئاسة الوزراء للمرة الأولى منذ ثلاثة عشر عاما.
لا يعلم المؤيدون أن معظم عناصر الشرطة البريطانية حتى المتخصصين في مكافحة الشغب غير مسلحين، يعني لا يستخدمون رصاصا حيا ولا حتى الخرطوش. وبحكم عملي حضرت بالصدفة تدريبا لقوات مكافحة الشغب، لن أستطيع كشف تكتيكاتهم التزاما بتعهد قطعته على نفسي مع الصحفيين الذين حضروا التدريب، ولكنني أؤكد أنه لا يشمل الضرب العشوائي ولا السحل ولا حتى السب. هذه هي بريطانيا حيث الملحدون يمثلون أضعاف المسلمين.
أما عن بلدي فحدث ولا حرج، هتكت أعراض الصحفيات أما نقابتهن عام ألفين وخمسة ضمن جرائم عهد حسني مبارك، ولما ثار الشعب عليه وورثهم العسكر كان من بين فظاعاتهم أن جردوا فتاة من ملابسها وأوسعوها ضربا غير بعيد عن موقع جريمة نظام مبارك، أما في عهد الرئيس المنتخب المؤمن فقد تم سحل مواطن وإهدار كرامته وتزييف إرادته كما تعرضت الثائرات للتحرش في ميدان التحرير قبلة الثوار. أي مستوى في الانحطاط هذا الذي وصلت إليه مصر ؟! والأهم من المسؤول ؟!
بالطبع مرسي هو المسؤول الأول، فهو على رأس الدولة وهو الذي وعدنا بنهضة فلم نر منه غير تخبط غير مسبوق، ولكنه بصراحة ليست مستغربا. فخلال انتخابات الرئاسة كنت أقول لأصدقائي من الإخوان المسلمين إن لدي سببين لعدم انتخاب مرسي، أولهما أن الجماعة منذ الإطاحة بمبارك وهي تأخذ مواقف متأرجحة تتحلى بالروح الثورية تارة وتوالي العسكر تارة وفي كل مرة يثبت لنا أن رهاناتها السياسية كانت خاطئة. أما السبب الآخر فهو أن مرسي لم يكن المرشح رقم واحد لدى جماعته فكيف تطلبون مني أن أنتخبه ليكون الشخص رقم واحد في مصر كلها ؟! ولكن حدث ما حدث وعصرنا الليمون !
المسؤول الثاني هو وزير الداخلية الذي يبدو أنه لا يدرك أن الثورة انطلقت يوم عيد الشرطة احتجاجا على مثل هذه الممارسات التي كانت تقع داخل السجون وبدلا من أن يستئصلها فإذا به يخرجها إلى الشوارع ! وبدلا من أن يستقيل فورا فإذا به يتورط في جريمة أخلاقية جديدة وهي تضليل الرأي العام !
المسؤول الثالث هو كل سياسي تفرغ للدفاع عن ايديولوجيته ومحاربة الآخرين، منهم من يؤيد على طول الخط ومنهم من يعارض من أجل المعارضة.  كلاهما فقد قيمته، لا جبهة المعارضة نجحت في الإنقاذ ولا الحزب الحاكم نشر حرية ولا عدالة. ومن غير المعقول أن نتوقع منهم غير ذلك، فجميعهم في حاجة لعلاج فوري من أمراض الفساد السياسي بحكم البيئة التي ترعرع فيها خلال عهد مبارك أومن قبله خصوصا وأن من يتصدرون المشهد الآن ويتسابقون على الظهور أمام الكاميرات معروف عنهم الفشل من  أيام الاتحاد الاشتراكي !
وإذا كنت لا أستغرب فشل الأطراف الثلاثة سالفة الذكر فإن خيبة املي شديدة في شباب مصر، ومصدر قلقي الأساسي أني أرى معظمهم يسير على درب الساسة الفاشلين الموالين والمعارضن، فمنهم من إذا رأيتهم في التليفزيون فأكنني أتابع حوارا بين قيادي اخواني وآخر معارض، نفس التعصب لوجهة النظر والكليشيهات عديمة القيمة والكلام الكثير والعمل القليل ويبدو أن الجميع في مصر قد أدمن الجدل البيزنطي أو حوار الطرشان اليومي على القنوات الفضائية المصرية.
ما يثير الحزن أن هؤلاء الشباب هم انفسهم الذي نجحوا في إقامة ما يشبه الدولة الموازية في ميدان التحرير خلال ثمانية عشر يوما، وحققوا معجزة لم يكن يحلم بها أكثر المتفائلين، فإذا بهم الآن يعجزون عن حماية رجل من السحل وامرأة من هتك العرض. وبصرف النظر عن انتماء الرجل المسحول فإن الواقعة في حد ذاتها تعتبر سحلا وتعرية للثورة وشباباها، فهم الذين تركوا ميدان التحرير يتحول من بقعة طاهرة إلى مستنقع للمخدرات والبلطجة والاغتصاب وتفرغ كل منهم للوم المعارضة أو الحكومة كل حسب اتجاهه. حتى عندما تحرك بعض الشباب تحركا محمودا خرجوا علينا بوثيقة لنبذ العنف فظهروا وكأنهم يحرثون في البحر.
المطلوب من شباب الثورة أن يعيدوا توحيد صفوفهم مرة أخرى تحت لواء ميدان التحرير، كل يخلع عباءته الفكرية والحزبية ويستعيد روح الميدان ويفكر فقط في إنقاذ الثورة، ونبدأ جميعا اليوم التاسع عشر من الثورة. لا بد من إقرار خطة سياسية يخوض بها الشباب الانتخابات المقبلة، وتقديم شخصيات بديلة لتولي المسؤولية في السلطة أو المعارضة بدلا من القيادات التي شاخت على مقاعدها.
من حسن الحظ أن صفحة الثورة المصرية مازالت مفتوحة في كتب التاريخ، ورغم مرور عامين فإننا مازلنا قادرين على تطبيق مقولة تشرشل “هذه ليست النهاية، ولا بداية النهاية، إنها نهاية البداية” .. ولكنها قد تكون بداية سيادة الروح الثورية أو بداية انتهاء الثورة إلى الأبد.
 
Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s