العودة لمصر بين العريان والطهقان !

أحمد الشيخ

http://

دخلت سيارة الإسعاف التي كان صديقي راقدا بها في انتظار نقله إلى المستشفى، لأجد ممرضة – وهي قائدة السيارة أيضا – قد بدأت تجري له الإسعافات الأولية بينما الأخرى تدون بياناته وتفاصيل حالته. أول فكرة جاءت على خاطري هي : متى ستصل خدمة الصحة في مصر إلى هذه الدرجة، حيث تطلب الإسعاف فتأتي لك السيارة خلال دقائق، ويتولى شخصان مؤهلان إسعافك، والسيارة مجهزة إلى درجة كبيرة حيث تبدو أقرب إلى غرفة عناية مركزة.

بصراحة استعذت بالله من هذه الفكرة الشيطانية، وتذكرت أن مصر مشغولة الآن بقضايا أهم، مثل الخلاف بين عبد الله بدر وإلهام شاهين، وما إذا كان باسم يوسف سيعلن توبته ويلبس النقاب تطبيقا لنصيحة أبو اسلام، وإلى أي درجة انحدر الخلاف بين الإخوان المسلمين ومعارضيهم من ليبراليين وكفار !

لفت نظري أن صديقي المرض بدأ يتناسى إصابته وفي حالة تركيز قوي مع الممرضة الانجليزية، فقررت أن أركز أنا كمان. قاطعني صديقي سائلا: “تفتكر امتى هنشوف في مصر إمكانيات زي دي” قلت له “ربنا يسمع منك .. ده كفاية عينيها الزرقا” ! قال لي صديقي منزعجا “أنا باتكلم عن سيارة الإسعاف” .. قلت له “وانا قصدي ملائكة الرحمة برضه !”.

بعد زيارة للمستشفى والإطمئنان على صديقي ذهبت إلى منزلي وأنا أفكر في هذا الصديق الذي عاش خارج مصر خمسة وثلاثين عاما ومع ذلك فإن موطنه لا يغيب عن تفكيره حتى في أكثر اللحظات قتامة.

نمت ساعات قليلة وخرجت مرة أخرى إلى العمل وفي الطريق قرأت وسمعت تصريحات الدكتور عصام العريان التي يطالب فيها اليهود الاسرائيليين المصريين بالعودة إلى مصر، وكان كلامه يحمل معاني تفيد بأن اسرائيل انهارت وضاع حلمها في أن تكون وطنا قوميا لليهود وإن مواطنيها أصبحوا مشردين فبات لازما على كل بلد أن تستقبل اليهود الذين هاجروا منها بالإضافة طبعا إلى عائلاتهم .. ساعتها بدأت أشك أنني نمت مئات الأعوام مثل أهل الكهف والله أعلم بما لبثت !

تساءلت هل انهارت اسرائيل وتفككت الولايات المتحدة إلى ولايا – جمع ولية – وتبوأت مصر مكانتها التي تستحقها ؟! هل سترسل مصر أسطولا من طائرات الركاب محلية الصنع “طائر النهضة” لنقل رعاياها اليهود ؟! هل جاء الإخوان المسلمون بالمليارات التي وعودنا بها وبالتالي فلا مانع من استقبال مئات الآلاف من اليهود لأن الدولة قادرة على بناء المخيمات وإرسال المساعدات وصرف المعاشات ؟!
عندما وصلت إلى العمل تأكدت أنني ما نمت إلا أربع ساعات فقط، لم يتغير فيها شيء، الإخوان المسلمون مازالوا خائفين من مؤامرة يتعرض لها الرئيس مرسي ولم يظهر عليها أي دليل، لدرجة أن الشعب أصبح يحتار في فهم مصطلحين هما “المؤامرة” و”النهضة”،

والسلفيون وعدوا أنصارهم بجبل من الذهب في حالة إقرار الدستور، وبعد الاستفتاء تمخض الجبل الذهبي فولد حزبا سلفيا جديدا بقيادة ابو اسماعيل، ورموز المعارضة يدعون لتظاهرة تلو الأخرى وهم أول من يغيب عنها ! وأسباب الإطاحة بنظام مبارك تعود في عهد مرسي ومنها تدهور الاقتصاد وانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار ما يعني زيادة الأسعار.

المواطن الغلبان في الداخل يدفع الثمن، والمصري الشقيان في الخارج يحاول أن يصلح ما أفسده حكم غير المؤهلين. صفحات الفيس بوك التي كانت شاهدة على تجاوب المصريين مع التغيير السياسي في مصر، وروجت صورهم وهم يشاركون في انتخابات الرئاسة الاستفتاء تنشر صورهم الآن وهم يحولون دولارات إلى مصر أملا في دعم الاقتصاد.

هؤلاء المصريون المغتربون مثل صديقي، يغيبون عن بلادهم وهي لا تغيب عنهم، تضيق بهم وهم لا يضيقون منها، يوفرون لها مصدر دخل رئيسيا فتبخل على معظم بحق التصويت، ترحب بهم مطارات العالم ويحقق معهم مطار القاهرة.

أليس المصري الذي خرج من بلده “طهقان” أولى من الاسرائيليين باهتمام الدكتور العريان ؟!

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s